سيد محمد طنطاوي
475
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ومنه قوله - تعالى - كَلَّا إِنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ . وما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ . كِتابٌ مَرْقُومٌ « 1 » . أي مكتوب . قال بعض العلماء : والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم : طائفة واحدة أضيفت إلى شيئين : أحدهما : معطوف على الآخر ، خلافا لمن قال أن أصحاب الكهف طائفة ، وأصحاب الرقيم طائفة أخرى ، وأن اللَّه قص على نبيه في هذه السورة الكريمة قصة أصحاب الكهف ، ولم يذكر له شيئا عن أصحاب الرقيم . وخلافا لمن زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فسدّت عليهم باب الكهف فدعوا اللَّه بصالح أعمالهم فانفرجت ، وهم البار بوالديه ، والعفيف ، والمستأجر ، وقصتهم مشهورة ثابتة في الصحيح ، إلا أن تفسير الآية بأنهم هم المراد بعيد كما ترى » « 2 » . والمعنى : أظننت - أيها الرسول الكريم - أن ما قصصناه عليك من شأن هؤلاء الفتية ، كان من بين آياتنا الدالة على قدرتنا شيئا عجبا ؟ لا ، لا تظن ذلك فإن قدرتنا لا يعجزها شيء . ثم حكى - سبحانه - ما قالوه عندما حطوا رحالهم في الكهف فقال : إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا : * ( رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً . وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ) * . و « إذ » هنا ظرف منصوب بفعل تقديره : اذكر . و « أوى » فعل ماض - من باب ضرب - تقول : أوى فلان إلى مسكنه يأوى ، إذا نزله بنفسه . واستقر فيه . و « الفتية » : جمع قلة لفتى . وهو وصف للإنسان عندما يكون في مطلع شبابه . وقوله : * ( وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا ) * : من التهيئة بمعنى : تيسير الأمر وتقريبه وتسهيله حتى لا يخالطه عسر أو مشقة . والمراد بالأمر هنا : ما كانوا عليه من تركهم لأهليهم ومساكنهم ، ومن مفارقتهم لما كان عليه أعداؤهم من عقائد فاسدة .
--> ( 1 ) سورة المطففين الآيات 18 - 20 . ( 2 ) تفسير أضواء البيان ج 4 ص 20 .